القرطبي
170
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك . فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه . قال العلماء : فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده الاسلام وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله : " لا حلف في الاسلام " . والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم ، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر من المكلفين ، وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال تعالى : " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ( 1 ) " . وفى الصحيح ( من قوله ( 2 ) : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قالوا : يا رسول الله ، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ قال : " تأخذ على يديه - في رواية : تمنعه من الظلم - فإن ذلك نصره " . وقد تقدم قوله عليه السلام : " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده " . الثانية - قوله تعالى : ( ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها ) يقول بعد تشديدها وتغليظها ، يقال : توكيد وتأكيد ، ووكد وأكد ، وهما لغتان . الثالثة - قوله تعالى : ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) يعنى شهيدا . ويقال : حافظا ، ويقال : ضامنا . وإنما قال " بعد توكيدها " فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو اليمين . وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك التوكيد هو حلف الانسان في الشئ الواحد مرارا ، يردد فيه الايمان ثلاثا أو أكثر من ذلك ، كقوله : والله لا أنقصه من كذا ، والله لا أنقصه من كذا ، والله لا أنقصه من كذا . قال : فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين . وقال يحيى بن سعيد : هي العهود ، والعهد يمين ، ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفر . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان " . وأما اليمين بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة ، وحل ما انعقدت عليه اليمين . وقال ابن عمر : التوكيد هو أن يحلف مرتين ، فإن حلف واحدة فلا كفارة فيه . وقد تقدم في المائدة ( 3 ) .
--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 44 . ( 2 ) من و . ( 3 ) راجع ج 6 ص 364 .